من أسباب فشل المشروعات الهندسية في السودان

جلست إلي أحد أساتذتي بجامعة الخرطوم أشاوره في شأن تنفيذ رسالة الدكتوراه في مجال إدارة التشييد بالخارج .. رد عليّ بلغة حازمة ( لو عملتها بره السودان ماحيكون عندها فايدة لأنو النظريات البرة مابتشتغل هنا.. أحسن تعملها هنا في السودان ).
حسناً.. هل حقاً نظريات الخارج لا تعمل في السودان؟.

وكنت قد حضرت منتدي إدارة المشاريع الذي ينعقد بصورة دورية بفندق السلام روتانا.. وتحت ذات العنوان أعلاه إستضاف المنتدي ثلاثة متحدثين ذوى كفاءة من شركات MTN, سوداتل, وشركة التقنية المصرفية. كان آخر سؤال سأله مدير المنتدي للثلاثة هو: ( لو كانت تحت يدك الأموال جاهزة وطُلب منك أن تطوير العمل.. ماذا ستفعل ). وأجاب أولهم بقوله: (ذلك بالفعل ما أقوم به أنا الآن).

حسناً مرة أخري.. فلو كنت مكان ذلك السيد الكريم المتحدث عن إدارة مشروعات الإتصالات والتقنية .. لو كنت مكانه متحدثاً عن مشروعات التشييد لأجبت السائل بقولي ( لو وجدت المال جاهزاً فلن أعمل في مشروعات التشييد مرة أخرى من حينها )!.
سؤال مهم يكمَّل حوار المنتدي الذي تم تحت نسمات التكييف وكاميرات التلفاز .. لماذا تكون إدارة المشروعات في مجال الإتصالات والتقنية المصرفية لعبة لذيذة يستمتع مديرها بالسيطرة علي قطعة ( الجلي ) التي تتزحلق في ملعقته ليلتهمها .. بينما مدير مشروعات التشييد في السودان يكون كتوم (الغبي) أمـــام جيري ( الشقي).

ههنا بعض الملاحظات التي أري أنها مهمة ومفيدة كإبتداء نقاش حول أسباب فشل المشروعات الهندسية في السودان.
أولاً:
إنعدام الجهة التي تلتزم إلتزاماً أخلاقياً وقانونياً دائماً بالسيطرة علي مواد البناء والتشييد .. حيث أن سعر سلعة السكر مثلاً تقوم الدنيا ولا تجلس مرة أخري إن زاد سعر الطن فيه خمسون جنيهاً.. بينما يتضاعف سعر طن الأسمنت في أسبوع واحد ولا يرجع لسعره الأساسي أبداً .. ويتضاعف سعر حديد التسليح في شهرين ويكون له سعر جديد كل ساعة .. يحدث ذلك .. وليس هنا ثمة جهة يؤلمها ذلك الأمر أو يجرح لها خاطر أو تفترض أنه مسؤوليتها فتقول فيه قولاً .. في المقابل أسعار خدمة الإتصالات مستقرة إلي حد كبير.
ثانيــاً:
تستثمر شركات الإتصالات أموالاً ضخمة تحت يديها.. ثم تخلف رجلاً علي أخري وهي تنتظر ثرثرة هذا الشعب لتجني أموالاً طائلة ويحتفل مديرو المشروعات فيها بتمكنهم من إلتهام قطعة (الجلي) بحمدالله.
بينما تكون الحكومة في بلادي هي الممَّول الرئيسي لمشروعات التشييد .. وأمام عجز الموازنة المستمرة في سداد مستحقات المقاولين .. يتناول مديرو شركات المقاولات (العدس) داخل السجون في حين تكون صفة (حاوي) من أهم الصفات التي يجب توفرها في مدير مشروع التشييد في السودان .. ويكون أكثرهم نجاحاً ذلك الذي يستطيع إقتلاع تمويل مستمر لمشروعه من بين قبضة الإستشاري وخزائن المالك ثم إقتلاع جزء من ذلك التمويل من بين فكيِّ مديره في الشركة لصالح مشروعه ( سيد الإسم ) قبل أن يتفرق دم التمويل علي ديون الشركة والمشاريع الأخري.
ثالثــاً:
تكون خزانتك في بعض الأحيان ممتلئة بالمال.. وتوجه إهتمامك لصالح مشروع محدد لإلتزام سياسي أو غيره .. ويتم توفير كل الإمكانيات .. ثم .. يتم تنفيذ العمل بصورة خاطئة!. وهذا أمر غريب ومحيَّر.. فمن قائل بأن مدير المشروع ليس كفؤاً .. وربما يكون ذلك صحيحاً .. ولكن في كثير من الأحيان تكون الكفاءة متوفرة ويحدث ذات الأمر. وهذا أمر يؤثر فيه أمر تدريب المهندسين من جهة .. وأمر آخر لا أعلمه يمكن أن نسميه مجازاً (Sudan Factor).
رابعــاً:
تؤدي شركات الإتصالات أعمالها وفق خطط وبرامج بدراسات مسبقة وميزانيات تم فيها تضمين تكاليف إدارة المشروعات علي أصولها .. لذا .. يكون هنالك إلتزام تعاقدي وأخلاقي أمام الجميع بتنفيذ المشروعات وفق الخطط .. أما في حالة غالب مشاريع التشييد .. يؤدي الجهل بمتطلبات إدارة عقود التشييد أحياناً .. وضيق ذات اليد أحياناً أخري .. يؤديان إلي تجاهل ميزانية إدارة المشروع ويكون الإلتزام قائم فقط تجاه المراقبة (بالعين المجردة) .. وبعد ذلك ( الله كريم ). ويؤدي هذا الأمر بغالب مشاريع التشييد في البلاد ليتم إدارتها عبر نظريــة ( بوكس المقاول موديل 83 ).. مع مراعاة فروق الوقت والتكنولوجيا .. وكامل الإحترام لأولئك المكافحين.
خامسـاً:
هل حقاً النظريات العلمية لادارة المشاريع لا تعمل في مشاريع التشييد في السودان؟.. فنتوكل علي الله ونبدأ البحث عن أخري بديلة خاصة بالسودان ( Sudan Construction Projects Management Rules)

بقلم: م. مجاهد بلال طه
mogahid_b@hotmail.com